هناك علاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وما تشهده الدول الأوروبية من احتجاجات بدأت بمطالب اجتماعية وتحولت إلى تحركات سياسية من جهة أخرى. ولا شك، بحسب مصادر دبلوماسية، أن هناك توجهاً أميركياً إسرائيلياً نحو دفع اليمين المتطرف إلى صدارة المشهد السياسي العالمي.
انكشف دور إيلون ماسك خلال الانتخابات البرازيلية، وعاد الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى الحكم. وشكّل ذلك الاختراق الأبرز لهذا التوجه، مع عودة اليسار إلى السلطة. وفي فرنسا، هناك رغبة خارجية في أن تقود زعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبان، البلاد في المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تبدي مصادر دبلوماسية اعتقادها بأن معظم المتظاهرين تحركهم أدوات أمنية إسرائيلية، سواء كانوا على علم بذلك أم لا. وترى هذه المصادر أن ما يجري يساهم في هدم الكيان الأوروبي لمصلحة اليمين والانعزالية والتطرف، بهدف منع الدول الأوروبية من الانفتاح والتكامل فيما بينها.
وقد انكسر هذا التوجه في الانتخابات البرازيلية، وربما ينكسر في الانتخابات النصفية الأميركية. فكل توجه يتجاوز حدوده، مهما بلغت قوته، قد يواجه في النهاية ما يكبح اندفاعه.
وبحسب المصادر، فتح الأوروبيون أبوابهم سابقاً أمام العالم، واهتموا بالبيئة على حساب السياسة. وتراجعوا في الوقت الذي كانوا يعملون فيه على حماية الشعوب المنكوبة والمظلومة، واستقبال الوافدين من بلدانهم التي تعاني الظلم والحروب، ويفتقر سكانها إلى الدعم والأمان الاجتماعي والاقتصادي.
في المقابل، تجاوز الأميركيون ملف البيئة، وبدأوا باستقطاب الشركات إلى بلادهم للاستثمار فيها. وسار الأوروبيون خلف الأميركيين بصورة شبه عمياء، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام موقف أميركي مفاده: «دبّروا رأسكم». وباتوا اليوم أمام تحدي الدفاع عن أنفسهم بمفردهم، ومواجهة أي مخاطر روسية قد تهدد أوروبا.
وتقول المصادر إن الولايات المتحدة وضعت قيوداً على الأوروبيين في مجالات عدة، ومنعتهم من امتلاك جيش أوروبي موحد. وترى أن الاتحاد الأوروبي يحتاج، على الأقل، إلى قوة عسكرية موحدة قادرة على حماية القارة، بدلاً من الاكتفاء بالتنسيق العسكري والأمني بين دوله.
أما الشعب الذي يتظاهر في أوروبا، فمعظمه، بحسب المصادر، من أصول مغربية وجزائرية وعربية، ويعيش وفق منظومة دينية تحكم تنظيمه الاجتماعي وقواعده المجتمعية. ولم تعد هذه المظاهر محصورة داخل البيوت، بل باتت واضحة في الفضاء العام. وتذهب المصادر إلى أن هذا الواقع يطرح إشكالية تتعلق بمدى تبني هذه الفئات لقيم الديمقراطية، ومدى تأثيرها في المجتمعات التي تعيش فيها.
في المقابل، لا يعتقد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولاينا، البروفيسور خضر زعرور، أن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان وراء التظاهرات، لكنه يؤكد أن الطرفين يستفيدان منها ويوظفانها، ويشجعان استمرارها، لا سيما في الدول التي أبدت تعاطفاً مع القضية الفلسطينية.
ويرى زعرور أن واشنطن وتل أبيب تضغطان باتجاه دعم اليمين الأوروبي، وخلق بؤر توتر تسهم فيها المطالب الاجتماعية التي لم تُعالج، فتتحول إلى أدوات للتوظيف السياسي. ويضيف أن إسرائيل لا تستطيع التدخل في الدول المتماسكة التي تتمتع بوحدة داخلية، لكنها تستطيع استغلال الانقسامات والنزاعات وتعزيزها، وتحويل جزء منها لخدمة مصالحها.
ويشير إلى أن هذا التدخل يركز على التأثير في الرأي العام، من خلال توظيف الدين في هذا المجال، فيما يلجأ اليمين المتطرف إلى الأميركيين طلباً للدعم في مواجهة الإسلام والشريعة.
ويلفت زعرور إلى أن الأوروبيين كانوا تاريخياً أقرب إلى الشرق الأوسط، وكانت أوروبا تصدّر إليه، فيما باتت اليوم تستورد منه. ويرى أن اليمين يلجأ إلى التأثير في الرأي العام بهدف الحفاظ على شعبيته، محذراً من أن أوروبا ستضعف سياسياً وعسكرياً، بما قد يفتح المجال أمام روسيا لتهديدها أو احتلال أجزاء منها، إذا انسحبت الولايات المتحدة من دعمها والتنسيق معها.
وأوضح أن عدد السكان في أوروبا يتراجع، في مقابل تزايد أعداد الوافدين من العالم العربي وآسيا وأفريقيا، مشيراً إلى أن عدد المسلمين في فرنسا يبلغ نحو خمسة ملايين نسمة. كما لفت إلى أن الأوروبيين الغربيين لا ينظرون إلى دول شرق أوروبا باعتبارها جزءاً من أوروبا بالمعنى نفسه، فضلاً عن وجود تفكك أسري.
ويضيف أن أوروبا لم تعد تمتلك قراراً سياسياً مستقلاً، وأنها باتت بحاجة إلى حليف، في وقت لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة، في ظل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرافض لمواصلة الدفاع عن الأوروبيين والانخراط في دعمهم مالياً وعسكرياً.
ويختم زعرور بالقول إن أي دولة تسعى إلى الحفاظ على مكانتها تحتاج إلى اقتصاد قوي، وقاعدة سكانية كبيرة، وجيش متطور، وصناعة وطنية للسلاح. غير أن الأوروبيين منقسمون بين الرغبة في التقارب مع الصين، والحرص على استمرار التحالف مع الولايات المتحدة.



شارك برأيك
تخضع التعليقات للمراجعة قبل ظهورها.