في تحول لافت يعكس مساعي القوى السياسية لإعادة رسم المشهد الاستراتيجي في لبنان، كشفت معلومات لـ”صوت بيروت انترناشونال”، عن تحركات مكثفة واتصالات دبلوماسية قادتها قيادة “الحزب” مع طهران، وهدفت هذه الاتصالات إلى صياغة ترتيبات أمنية بديلة تملأ الفراغ المحتمل في حال انسحاب قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان.

وفق المعلومات، تمحورت الخطة التي وضعتها قيادة الحزب حول محاولة هندسة حضور عسكري دولي جديد يحمل طابعاً جيو-سياسياً مخالفاً للتشكيلة التقليدية لقوات “اليونيفيل”. وبحسب المعطيات، طلبت طهران التدخل عبر قنوات التنسيق مع موسكو، بهدف إقناع بكين بالانخراط الفعّال وتوسيع نطاق مشاركتها العسكرية عبر إرسال لواء أو قوة عسكرية كبرى لتكون جزءاً من القوة البديلة.

يراهن الحزب من خلال هذا الطرح على هندسة ميزان قوى جديد في الجنوب اللبناني، يقوم على إيجاد مظلة أمنية دولية مناهضة للسياسات الأميركية والغربية، وتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي في مجلس الأمن الدولي يوازن النفوذ الغربي التقليدي. ورغم أن الصين ليست غائبة تماماً عن المشهد الميداني الحالي في الجنوب، حيث تسهم بنحو 471 عسكرياً ضمن الملاك الحالي لقوات اليونيفيل البالغ نحو 7565 عنصراً، إلا أن الأطراف المعنية أدركت صعوبة تحويل هذا الحضور الرمزي إلى قوة تدخل كبرى.

من جهتها، أكدت مصادر مطلعة لموقعنا، أن هذه المساعي اصطدمت بحائط مسدود وباءت بالفشل الذريع، فالقيادة الروسية لم تبدِ الحماسة المرجوة حيال الانخراط في هذا الملف المعقد، في وقت أبدت فيه بكين تحفظات شديدة وحرصاً على عدم التورط في نزاعات إقليمية حادة تتجاوز حدود مشاركتها التقليدية لحفظ السلام وتحت مظلة الأمم المتحدة الصارمة.

لماذا الصين؟، تستند الرؤية الاستراتيجية للحزب في الرهان على الصين وموسكو إلى اعتبارهما قطبين أساسيين في المعسكر الدولي المناهض للسياسات الأميركية، لكن المفارقة تكمن في الحسابات الضمنية للحزب، فهو كان يطمح من خلال جلب الصين إلى “يونيفيل جديدة” أن يحصل على “شاهد زور” آخر، تتوفر له أريحية الحركة والمرونة الميدانية بما يخدم مصالحه الإستراتيجية ويمنح وجوده هامشاً للمناورة تماماً كما كان الحال في السابق.

وتشير الدلائل كافة إلى أن جنوب لبنان في المرحلة المقبلة سيكون مسرحاً لتطبيق دقيق وصارم للقرارات الدولية وفي مقدمتها القرار 1701، ما يعني خلو المنطقة من المظاهر المسلحة للحزب.

ن تقبل أي دولة إقليمية أو كبرى بعد اليوم توفير الغطاء لوجود سلاح خارج إطار الشرعية والدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية الرسمية، وأي قوات دولية مستقبلية ستعمل وفق تفويض أممي صارم يضمن بسط سيادة الدولة اللبنانية وحدها على كامل أراضيها، مما يغلق الباب نهائياً أمام أي محاولات لاستنساخ قواعد الاشتباك القديمة.

فشل هذه الاتصالات يؤكد أن المجتمع الدولي بات أكثر توحداً حول ضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده في الجنوب، وأن زمن القوى الدولية “المتغافلة” عن السلاح خارج إطار الدولة قد انتهى بلا رجعة.