بين مفاوضات واشنطن وطهران المعلّقة على خيط رفيع، وتهديدات بنيامين نتنياهو بتمديد النار إلى عمق لبنان، يقف نبيه بري أمام مشهد إقليمي بالغ الخطورة، لا تمنحه معطياته جرعة تفاؤل كافية، ولا تسمح له في المقابل بإقفال أبواب الدبلوماسية. فهل تنجح الاتصالات في كبح الانفجار، أم تتحوّل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تتجاوز حدود إيران؟
لا يُبدي رئيس مجلس النواب نبيه بري، أمام زواره في اليومين الأخيرين، مؤشرات إيجابية حاسمة حيال إمكان تحقيق اختراق في الاتصالات الأميركية ـ الإيرانية، في ظل غموض يلفّ مسار المفاوضات وتضارب الإشارات الآتية من العواصم المعنية. لكن الرجل، رغم قتامة المشهد، لا يزال يتمسّك بخيار الحوار، باعتباره الممرّ الوحيد المتبقي لتفادي مواجهة قد تتجاوز تداعياتها حدود الشرق الأوسط وتضرب استقرار العالم بأسره.
وبين التشاؤم والأمل، يختار بري إبقاء النوافذ الدبلوماسية مفتوحة، متوقفاً عند الدور القطري في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، فيما تتجه الأنظار إلى نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية وما قد تحمله من انعكاسات على القرار الأميركي في المرحلة المقبلة.
«انظروا إلى أوروبا»… هرمز يُوسّع دائرة الخطر
لا يحصر بري قراءته للمشهد في جغرافيا الشرق الأوسط، بل يستند إلى تقارير تلقّاها من مسؤولين غربيين عن تداعيات الأزمة على القارة الأوروبية، في إشارة إلى أن ارتدادات ما يجري في مضيق هرمز لم تعد شأناً إقليمياً محصوراً، بل تحوّلت إلى أزمة ذات أبعاد دولية.
ومن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وصولاً إلى ألمانيا، تتسع دائرة القلق، فيما تتشابك التداعيات الاقتصادية والسياسية للأزمة مع مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل.
وفي مواجهة هذا المشهد، يرفع بري شعار التهدئة، محذّراً من الانجرار إلى التصعيد وتبادل التحديات ورفع السقوف السياسية. وهي رسالة لا يكتفي بإيصالها إلى شركائه السياسيين، بل يكرّرها أمام نواب حركة «أمل» وقياداتها وكوادرها، وصولاً إلى هيئاتها الطالبية والشبابية، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انتقاله إلى الداخل اللبناني.
شحنة ضهر البيدر… بري يرفض تسييس القضاء
على خطّ آخر، لا يبدو بري مستعداً لفتح مواجهة سياسية جديدة على خلفية الخلاف الحكومي بشأن شحنة متفجرات ضهر البيدر المنسوبة إلى «حزب الله»، ولا سيما مطالبة وزراء «القوات اللبنانية» بإحالة الملف إلى المجلس العدلي.
ويتمسّك رئيس المجلس بترك القضية تأخذ مسارها القضائي، مستحضراً قضية الوزير السابق ميشال سماحة، الذي أُدين في ملف نقل متفجرات من سوريا إلى لبنان خلال عهد بشار الأسد.
وبالنسبة إلى بري، فإن استمرار التحقيقات ضمن الأطر القضائية لا يشكّل خطأً بحد ذاته، شرط عدم إخضاع الملف للتجاذبات السياسية أو محاولة توظيفه في الصراع الداخلي. موقف يضعه في مواجهة الدعوات إلى التصعيد القضائي، ويعيد فتح النقاش حول حدود الفصل بين المسار القضائي والحسابات السياسية.
«الأخ الأكبر والأصغر»… بري يطوي السجال مع الحزب؟
أما علاقته بـ«حزب الله»، فيفضّل بري عدم العودة إلى سجال «الأخ الأكبر والأخ الأصغر»، رافضاً الانجرار إلى توصيفات إعلامية لا يرى أن الخوض فيها يخدم المرحلة.
لكن تجنّب التعليق لا يعني، وفق المشهد الذي يعكسه النص، اتجاهاً إلى القطيعة أو رفع الجدران بين الطرفين؛ فالتحديات المقبلة تفرض معالجة ملفات مشتركة وتنسيق المواقف في مرحلة تتزايد فيها احتمالات المواجهة.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية مضاعفة مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية، واتساع الحديث عن سيناريوهات عسكرية قد تستهدف مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، وصولاً إلى صور والنبطية وصيدا، بالتوازي مع تلويحات بفرض حصار على مرفأي بيروت وطرابلس.
نتنياهو يُلوّح بتوسيع الحرب… وقرار الحزب في دائرة الترقّب
في المقابل، ترفع تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منسوب القلق في بيروت، خصوصاً مع حديثه عن احتمال تجدّد المواجهة إذا قرّر «حزب الله» الانخراط مجدداً في دعم إيران في حال اندلاع حرب بينها وبين إسرائيل.
المعلومات المتداولة، وفق المعطيات الواردة في النص، تشير إلى أن الحزب لم يمنح بري جواباً نهائياً في هذا الشأن، ما يجعل السؤال مفتوحاً أمام حسابات الداخل اللبناني وترقّب واشنطن وسائر الأطراف المعنية.
وفيما تبدو إسرائيل، وفق هذه القراءة، مستعدة لاستغلال تعثّر المسار الدبلوماسي لتوسيع خياراتها العسكرية، يبقى مصير لبنان مرتبطاً إلى حدّ بعيد بما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وبالقرار الذي سيتخذه «حزب الله» إذا تحوّلت التهديدات إلى حرب فعلية.
بين طاولة المفاوضات وغرف العمليات، يقف لبنان أمام اختبار بالغ الخطورة: فإما أن تنجح الدبلوماسية في احتواء المواجهة، وإما أن يجد نفسه مجدداً في قلب حرب تتجاوز حدوده، وتضع الجنوب والعاصمة ومرافق البلاد الحيوية أمام سيناريوهات مفتوحة على المجهول.



شارك برأيك
تخضع التعليقات للمراجعة قبل ظهورها.