ليست المرة الأولى التي تقف فيها قطر إلى جانب لبنان، مقدّمةً له الدعم والمساعدة في مجالات عدة، ولا سيما المجال الاقتصادي. وهذه المرة، يأتي الدعم عبر مشروع لإعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء في لبنان، أعلن عنه رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني إلى لبنان.
ولا يقتصر المشروع على إنشاء معمل جديد للكهرباء أو معالجة جزئية لمشكلة مزمنة، بل يقوم على تصور متكامل يشمل مصادر إنتاج الطاقة والبنية التحتية اللازمة لها، بهدف توفير الكهرباء بصورة أكثر استقرارًا وبكلفة أقل.
ويستند المشروع، وفق الصيغة المطروحة، إلى نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، المعروف اختصارًا بـ«BOT»، بحيث تتولى الجهات المستثمرة التمويل والتنفيذ والتشغيل، من دون أن تتحمل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة، على أن تُنظَّم العلاقة المالية والتعاقدية بين الأطراف المعنية.
وفي حديثه إلى «صوت بيروت إنترناشونال»، اعتبر أمين سر فرع لبنان في مجلس الطاقة العالمي، المهندس بيار الخوري، أن أي مبادرة دعم من الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، تمثل خطوة إيجابية باتجاه لبنان، لافتًا إلى أن المشروع القطري كبير جدًا، ويمكن أن يختصر الكثير من المراحل في معالجة أزمة الكهرباء.
لكنه حذّر من أن حجم المشروع وأهميته يجعلان تنفيذه مرتبطًا أيضًا بالاعتبارات السياسية الدولية، مشيرًا إلى أن المظلة الدولية والتوازنات التي تتحكم بمسارات الملفات اللبنانية قد تؤثر بصورة كبيرة في فرص تنفيذه أو تعطيله.
معامل جديدة ومحطات تغويز
وشرح الخوري أن المشروع يقوم على بناء معامل لإنتاج الكهرباء، إلى جانب إنشاء محطات ثابتة لتغويز الغاز الطبيعي، بما يتيح توفير الوقود اللازم لتشغيل المعامل، سواء على الساحل أو في مواقع بحرية مناسبة، وفق التصاميم النهائية المعتمدة.
وأوضح أن الفكرة تقوم على استثمار قطري تتولى بموجبه الجهة المستثمرة إنتاج الكهرباء وبيعها إلى مؤسسة كهرباء لبنان، التي تبيع بدورها الطاقة للمستهلكين، وتحصّل الفواتير منهم، لتتمكن من تسديد المستحقات المالية المترتبة عليها للمستثمر.
وشدد الخوري على أن هذه النقطة تمثل جانبًا حساسًا في المشروع، إذ إن عدم قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تحسين الجباية ورفع نسبة تحصيل الفواتير قد يحول دون تمكنها من تسديد المستحقات المستحقة للشركة المستثمرة خلال السنوات المقبلة.
وأضاف أن نجاح المشروع لا يرتبط ببناء المعامل وتأمين التمويل فحسب، بل يتطلب أيضًا معالجة الخلل في الجباية وضمان قدرة المؤسسة على الوفاء بالتزاماتها المالية، بما يضمن استمرارية الإنتاج والتشغيل.
هل تنتهي أزمة الكهرباء في لبنان؟
وأشار الخوري إلى أن الطرح المتداول يتضمن إنشاء قدرات إنتاجية تصل إلى نحو ألفي ميغاوات، وهي قدرة قد تتجاوز الحاجة الفعلية للبنان، بحسب تقديره.
ورأى أن تنفيذ المشروع بهذه القدرة من شأنه أن يتيح تأمين الكهرباء على مدار الساعة، 24/24، طوال أيام الأسبوع، معربًا عن أمله في أن يتحول هذا التصور إلى واقع يضع حدًا لأزمة الكهرباء المزمنة في البلاد.
واعتبر أن الاهتمام الواسع الذي يحظى به المشروع إيجابي وصحي، لكنه دعا إلى عدم التسرع في إطلاق الوعود، مشيرًا إلى أن التنفيذ قد يستغرق سنوات عدة، تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، وربما تصل إلى سبع سنوات.
وقال الخوري إن من الضروري التعامل مع المشروع بواقعية، وعدم إعطاء اللبنانيين وعودًا قد لا تتحول إلى حقيقة، خصوصًا أن المشاريع الكبرى تحتاج إلى وقت طويل لاستكمال مراحلها الفنية والإدارية والتعاقدية.
التنسيق التعاقدي شرط أساسي للتنفيذ
وختم الخوري بالتأكيد أن المشروع يحتاج إلى الكثير من العمل على مستوى التنسيق التعاقدي، ولا سيما بين مؤسسة كهرباء لبنان والشركة القطرية، بما يشمل التراخيص وسائر المتطلبات التنظيمية والقانونية اللازمة.
وأشار إلى وجود جوانب متعددة ينبغي التعامل معها بعناية لضمان تنفيذ المشروع، بما يتيح الاستفادة من الاستثمار المقترح وتحويله إلى حل مستدام لأزمة الكهرباء في لبنان.
وبين الآمال المعقودة على المشروع والتحديات السياسية والمالية والتعاقدية التي قد تواجهه، يبقى التنفيذ الفعلي، إلى جانب إصلاح الجباية وضمان استدامة التمويل، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان اللبنانيون سيتمكنون من الحصول على الكهرباء على مدار الساعة.



شارك برأيك
تخضع التعليقات للمراجعة قبل ظهورها.